روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

81

عرائس البيان في حقائق القرآن

نفوسكم حيث أوقفكم ، واشتغلوا بالعبودية عن الربوبية ؛ لأن في غيرة الحق إشارات تمنع أولياء اللّه عن السير في قربة الحق ، وذلك بأن القلوب إذا مرضت وسقمت عن الجهد في طلب الحقيقة ، وسكنت بحظوظ البشرية ، فأثابها اللّه بالإحصار في وطنات الطبيعة . الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ « 1 » بيّن اللّه تعالى مواقيت العبادة لئلا يسأموا عباده عن خدمته ، ويقعوا بفتورهم في مقته ، وأيضا حتى يسكن أهل المعرفة عن أثقال العبودية في بسطهم برؤية الربوبية ، وانتقالهم بمشاهدة الرحمن عن زحمة الامتحان ، ووقت الحق لأهل خالصة في سلوكهم ، وإتيانهم لبساط القربة أحانين الصفاء والوفاء والطمأنينة واليقين ، وجمع لهم ليعرفوا أن القصد لا يتهيأ إلى بساطه إلا في هذه الأوقات المعلومة . قال النصر آبادي : وقّت اللّه العبادات بأوقات ليتأهب للعبد لها قبل أوانها بأدائه الطهارة ، ولم يوقت المعرفة لئلا يتخلى العبد عن مراقبة المشاهدة بحال . وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى أي : اجتنبوا على الالتفات إلى غيري في استقبالكم إليّ فإني زادكم في جميع الأحوال ، ولا تحتاجون أحدا سواي ، وأيضا إذا أردتم أن تقطعوا أقفار الديمومية وفلوات الأزلية ، فتزودوا على مراكب القلوب نور الأنانية لأرواح العاشقة في سير النيوب ، وخافوا عن فقدي ، فإن خير الزاد في طلب وصلي الافتقار إليّ مخافة فقدان قربى ، وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ؛ لأنّكم أهل الخصوص بأنوار العقول فمن يعقلني بنعت العظمة لا تسكن روعته في دار امتحاني . وقيل : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى هو خطاب للخاص ؛ لأنه لا زاد للعارف سوى معروفة ، ولا للمحب سوى محبوبه . وأنشدوا : إذا نحن أدلجنا فأنت أمامنا * كفي بمطايانا بلقياك هاديا وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ قال الواسطي : عاقبهم لأنه أحبهم . وقيل : أقبلوا عليّ يا أصحاب الفهوم السليمة ، وأعقلوا عني . وقال أيضا : هم من الخصوص ، ولم تجعل للعموم فيهم طريقا .

--> ( 1 ) كما أن الحج بالنفوس أشهر معلومات لا ينعقد الإحرام به إلا فيها ، ولا يجوز فعل الحج في جميع السّنة إلا في وقت مخصوص ، من فاته ذلك الوقت فاته الحج - فكذلك حج القلوب له أوقات معلومة لا يصح إلا فيها ، وهي أيام الشباب ؛ فمن لم تكن له إرادة في حال شبابه فليست له وصلة في حال مشيبه ، وكذلك من فاته وقت قصده وحال إرادته فلا يصلح إلا للعبادة التي آخرها الجنة ، فأما الإرادة التي آخرها الوصلة . تفسير القشيري ( 1 / 189 ) .